~~ مشروع جريمة ~~

~~ مشروع جريمة ~~ | Nothing But The Best (We are/do/get).

 ~~ مشروع جريمة ~~

 

لي صديق كان زميلي أيام الدراسة الثانوية .،.

ثم افترقنا وألقت بنا الدنيا كُل واحد في طريق 

ثم عُدنا بعد سنوات لنلتقي…

وأصبح من عادته كلما لقيني أن يشكو..

وأصبح من عادتي أن أستمع..

وأنظر إلى وجهه الشاحب وشفتيه المزموتين دائمًا

كأنما على ثأر بايت..!..

وشكواه دائمًا هي .. هي ..

لا تتغير.. 

حتى نبراته.. 

حتى كلماته التي يقولها وهو يطحن أضراسه:

أريد أن أحيا كما يحيا السُعداء الاغنياء..

لا تـَقـُل لي إن معظم الأغنياء غير سُعداء..

لا تـُحاول أن تـُفلسف لي الفقر و تـُشوه لي الغنىَ ..

أريد أن أكون غنيًا.. 

ولستُ راضيًا بالمرة عن نفسي، وعن وضعي الحالي…
عايز فلوس..

فلوس…

عايز يكون عندي عربية وشقة فيها بوتاجاز وثلاجة وبيك آب وريكوردر..

عايز أسكن في عمارة فيها أسانسير..

ويكون لي عالأقل خمس بـِدَل جديدة..

عايز لما أدخل السينما أقعد بنوار..

مش صالة .. ..

عايز أدخل الكباريهات والبارات..

عايز أعرف الموجود داخل هذه العلب التي قرأت عنها

حتى امتلأت رأسي كلاما.. 

 

عايز أشوف بعيني وأسمع بودني.. 

عايز أعيش.. 

أعيش.

 

أنا عايش في حِرمان..

أوعىَ تقولي ربنا عايز كده..

ربنا مش عايز كده..

ربنا عايزني أعيش وخلقني عشان أعيش

وأتحرك وأشعر وألمس وأحس بكل حاجة..

لقد كفرتُ بالمُـثـُل العُليا..

كفرتُ بالأخلاق.. والفضائل والمباديء..

كلها كلمات جَوْفاء لا معنى لها عندي..

 

الحقيقة الوحيدة التي أعرفها هي أني فقير..

ليس لي فدان تِرك ولا بقرة شِرك..

كل أملاكي هي ماهيتي..

موظف صغير حقير..

والدي متوفي ويشاركني في راتبي أم وثلاثة أخوة..

وكلهم سُعداء لأنهم لايشعرون..

أما أنا فأشعر.!.

وأشعر دائمًا أني ميت.!.

أشعر أني أتمنى أشياء لا أستطيع أن أحصل عليها..

وأشعر في لحظات أني على وشك أن أكون قاتلا ً أو لِصـًا أو سفاحًا

أو مُحتالا ً أو مُهرب مخدرات.. 

في حَلقي مرارة لا تطفئها إلا الخيالات المريضة.!.

 

لا تـَقـُل لي إبحث عن عمل آخـَر أو اشتغل بالتجارة..

أين الوقت لكل هذا.!.

وعملي في المطار.. وسكني بشبرا..

وخروجي كل يوم في السابعة صباحًا

وعودتي في الخامسة بعد الظهر 

مُرهقـًا .. مُتعبًا .. لا أصلح لشيء ..

 

لاتـَقـُـل لي هناك ملايين مثلي وأقل مني وسعداء.!.

هذا صحيح.!.

أعلم هذا ولكنهم خلقوا هكذا.. شعورهم هكذا..

ولكني أنا شيء آخـَر… 

وشعوري شعور آخـَر… 

والمهم هو أنا.!. 

أنا.!.

 

ومن عادته أن يُكرر أنا… 

أنا…

 عدة مرات وهو شارد… 

ينظر إليَّ  بشفتيه المزمومتين كأنه يحاسبني…

وكأني أنا المسؤول عن عذابه.!.

ثم يمضي إلى حاله وأمضي أنا إلى حالي…

ولكن شبحه يظل يلاحقني… 

شفتاه المزمومتان…

 ونبراته الحادة…

وكلماته التي ينطقها في مرارة ويضغطها بين أسنانه مرة بعد مرة… 

أنا… 

أنا…

 

                 نعم… 

 

هنا العذاب كله.!. 

في هذه الكلمة… 

أنا!

 

ليس عذابه في ظروفه وفقره وإيراده الصغير..

وإنما عذابه في نفسه هو..

هناك بالفعل ملايين الفقراء يعيشون مثله وأقل منه ولا يحسون بهذه الإحساسات.!.

 

إن عذابه في عناصر شخصيته 

التي تتأجج إلى جوار بعضها ويُشعل كل منها الآخـَر.!.

 

رغبة حادة بلا عقل.!.

وشهوة بلا ضابط.!.

وأحلام بلا وسائل.!.

وأمنيات مُلحة وإرادة عقيمة.!.

وإحساسات مُرهفة وأفق ضيق.!.

ولهفة مشبوبة.!.

وصـَبْر نافد.!.

 

وكلها تصطدم في النهاية وتتحول إلى أسباب للشقاء والحقد.!.

ولا تتحول إلى عمل وفعالية أبدًا.!.

وهو بعوده النحيل ووجهه الشاحب الهضيم 

يبدو دائمًا كمشروع جريمة.!.

   

    

   

!أنا لا أؤمن بأن الإنسان عبد للظروف وأنه مُسَيَّر ولااختيار له إطلاقـًا

ظروف الفقر والجهل والمرض والتربية السيئة لا تحتم الفشل.!.

بل هي أحيانـًا تؤدي إلى النبوغ والخير والعبقرية.!.

 

لأن العامل الحاسم هو دائمًا الظرف الداخلي… 

الظرف النفسي…

 

وأخطر ظروف الجريمة .؛. هو المجرم نفسه!

 

وأخطر دوافع الجريمة هو المجرم نفسه!

 

هي اللحظة الحاسمة التي تصل فيها شخصيته لدرجة الغليان 

وتفور عناصرها

 لتفقده صوابه!

                    

هذه العملية المستترة في نفوسنا..

النية.. والإحساس.. والإنفعال.. والتصور.. والتردد.. والعزم.. والإندفاع..

هي مفتاح مصيرنا!

 

ولطالما سألت نفسي::

 

هل يستطيع الإنسان السيطرة على هذه العملية؟!

هل يستطيع أن يحكم غضبه؟!

ويَسُوس نفسه؟! 

ويقود ثورته؟! 

ويتحكم في انفعالاته؟!

 ويتعقل حقده؟! 

وحسده؟!

 

أعتقد أنه يستطيع..!..


أعتقد أن حبل الحُرية ممدود في نفوسنا

وأننا نستطيع أن نـَلوذ به دائمًا.. 

 

يَدُ الله تـَمد لنا هذا الحبل دائمًا ولكنا لا نراها..

في أعماقنا طاقة ضوء نستطيع أن نـُطِـل منها ونستنجد.

 

لسنا حُجرات مغلقة مظلمة..

تحتوي على الظروف ، وتـَعكِس مؤثرات البيئة فقط

بدون حُرية وبدون تصرف وبدون إرادة!!..

 

ولسنا حُفرات تتجمع فيها الظروف والفقر والجهل والمرض والأبواب المسدودة..!.

 

هناك الحُرية دائمًا في قاع المُشكلة… 

 

هناك يَد الله ورحمته.

 

لسنا كعيدان القش تحملنا الأمواج.!. 

ويقذف بنا التيار.!.

وإنما نحن نستطيع أن نسير ضد الريح.. 

ونسبح ضد التيار..

وضد الظروف الغير مواتية أحيانـًا.

 

إن الشجرة وهي نوع مُنحط من أنواع الحياة..

تنمو إلى فوق ضد الجاذبية الأرضية..

والعُصارة فيها تجري إلى فوق ضد الجاذبية الأرضية

وضد قوانين السوائل والضغط الجوي.. وضد الظروف الفيزيقية.. 

وهي تقف صلبة سامقة في وجه الريح..

 لا تنحني للطبيعة.!.

وهي شجرة.!. 

عاجزة عمياء مزروعة في الأرض مُقيدة بجذورها.!.

 

فما بال الإنسان سيد الكائنات الحية جميعها..!..

وله ساقان يجري بهما .. وعينان يبصر بهما .. وعقل يفكر به .. وقلب يحس به .!.

 

أنا لا أصدق أبدًا خـُرافة المصير المحتوم.!.

والظروف التي تضرب على الناس الذلة و المسكنة.!.

فلا يبقى لهم سوى الشكوى والسباب.!. 

والجريمة.!.

 

هناك حل دائمًا.. 

هناك مَخرَج .. 

طالما أن هناك إيمان.

 

والمشكلة ليست الظروف.!.

 

الظروف تتشابه في العائلة الواحدة.!.

ومع هذا يفترق الأخوة على طريق المصير.!.

واحد ينبغ.. 

والآخـَر يرتكب جريمة قتل.. 

والثالث يشحذ..

 والرابع يدمن المخدرات..

 

              المُشكلة هي الإنسان..

 

الإنسان هو الظرف الحاسم..

 والعامل المُهم في الحياة..

 

وحينما تنسد كل الأبواب أمامه ؛

يَظـَـل هناك باب مفتوح في داخله.. 

هو الباب المفتوح 

على الرحمة الإلهية.

 

وحينما يصرخ من اليأس.!.

فلأنه أغلق بيده هذا الباب أيضـًا.!.

 وأعطـَى ظهره لربه وخالقه و خالق كل شيء.!.

 

الإنسان مُخـَيَّر في كُل جُزء من كل ثانية يعيشها بفضل الله.



 

د. مُصطفى محمود (رحمه الله و أسكنه فسيح جناته)

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s